أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

476

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

وأما إن حملها من أول مرة ما لا تطيقه فإنها تسقط وتملّ ، وربما ترجع بالكلية . قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « اكلفوا من العمل ما تطيقونه فإن اللّه لا يملّ حتى تملّوا « 1 » » وقال : « لا يكن أحدكم كالمنبتّ لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى « 2 » » والمنبت : هو المنقطع . وحاصل ما ذكره الشيخ في هذه الحكمة أن الناس على قسمين : قسم : لا سير لهم ، إذ لا توجه لهم إلى اللّه ، فهم واقفون مع ظاهر الشريعة ، كلما أباحته الشريعة أخذوه كان ثقيلا على النفس أو خفيفا ، بل لا يأخذون إلا الخفيف لأنهم يقصدون رخص الشريعة وتسهيلها مما يوافق هواهم ، فلم يغيروا من عوائدهم وشهواتهم شيئا ، فعزهم وافر ، وجاههم باق ، ودنياهم في الزيادة ، وهؤلاء عوام المسلمين . وقسم : شاقت نفوسهم إلى حضرة الملك وغلبهم الشوق ، فتوجهوا إلى حضرته ، واشتغلوا بمجاهدة نفوسهم ومحاسبتها ، فكل ما يثقل عليها أدخلوها فيه وهي تموت ، وكل ما يخف عليها جنبوها منه وهي تبكي ، هكذا يدومون عليها حتى ترتاض وتلين ، وحينئذ تطاوعهم فيما يريدون ، فأول ما يجاهد المريد في ترك الدنيا أو التخفيف حتى لا يبقى ما يشغله عن ربه ، ثم في ترك الناس والفرار منهم ينتكر لمن يعرف ، ولا يتعرف لمن لا يعرف ، ثم في إسقاط المنزلة والجاه حتى يسقط من عين الناس ، ويسقط الناس من عينه ، ثم في الذل والانكسار قلبا وقالبا ، بالمشي بالحفا وتعرية الرأس وغير ذلك ، فإذا تحققت بالذل والتواضع والخمول والفقر وسكنت في ذلك واستحلته ، فقد تمكن منها وملكها ، بل ملك الكون كله : ونفسك تحوي بالحقيقة كلّها * أشرت بجدّ القول ما أنا خادع فكل من ملك نفسه فقد ملك الوجود بأسره ، فلو لا مجاهدة النفوس ومحاربتها في هذه الميادين ما تحقق سير السائرين ، إذ لا يتحقق السائر من القاعد إلا بمخالفة الهوي وخرق العوائد ، فمن خرق عوائد نفسه حتى استوى عنده العز والذل والفقر والغنى ، وغير ذلك من مكروهات النفوس ، فقد تحقق سيره ووصوله ، ومن لم يقدر على تغيير شعرة من نفسه فلا سير له ولا

--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) رواه ابن المبارك في الزهد ( ص 415 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 3 / 18 ) ، والقضاعي ( 2 / 184 ) ، وذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 1 / 300 ) .